رقم المصدر: 16121
حكم الصلاة والسلام على والدي النبي الكريمين
ما حكم الصلاة والسلام على والدي النبي الكريمين؛ ففي بعض الكتب صيغة (اللهم صل على سيدنا محمد وعلى والديه وعلى آله وصحبه وسلم) فهل تجوز؟ وهل تجوز الصلاة على والدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم استقلالًا؟ وهل يجوز السلام عليهما؟ ويكون بالاسم أم بالوصف؟ وما الرد على من يزعم أنه حرام لعدم وروده! وأنهما ماتا على الجاهلية! ويحرِّم الدعاء لهما! وما واجبنا تجاههما؟
الأمر الإلهي بالصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتضمن الاعتناءَ بإظهار شرفه، والإشادةَ باصطفاء أصله وطهارة نسله، وإحسان الصلاة عليه، وكمالُ الإحسانِ: الجمعُ بينه وبين الآل: من يؤول إليهم ويؤولون إليه.
والحق الذي يجب اعتقادُه ولا يجوز غيرُه: أن والدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم مؤمنان، وهما خلاصة أهل الاصطفاء والإيمان؛ لأن الله اختارهما لنور النبوة؛ فهما خير مستقَرٍّ ومستودَعٍ، وهما من الآل لغة وشرعًا فتشملهما الصلاة عليه، بل هما أَوْلَى دخولًا؛ لأنهما أقربُ أصوله إليه، فهما أصل النبي والآل، ونبع النور ومستودَعُ الكمال.
والصلاة عليهما تبعًا: مستحبة شرعًا؛ لأن فيها امتثالًا للأمر بإحسانها؛ تمدحًا بشرف الأصل النبوي، وإشادةً بعظمة الاختيار الإلهي لأبويه، ولأنهما من الآل؛ ففي التصريح بذكرهما تفصيل بعد إجمال، وتعديد لجهات الكمال، ولاتفاق العلماء على جواز الصلاة على المؤمنين تبعًا، وهما خلاصة أهل الإيمان، ولقطع الألسنة الطاعنة في جنابهما، كما في استحباب التصريح بالصحابة تبعًا مع عدم وروده؛ قياسًا على الآل ودفعًا للطعن، فالتصريحُ بالوالدين أولى؛ لأنه أظهر للشرف وأبلغ لمقصود الصلاة، ولأنهما من الآل حقيقة، والدفاع عنهما مقدَّمٌ لعظيم مكانهما، والصيغة المذكورة استحبها علماء المدينة المنورة من غير نكيرٍ.
والصلاة عليهما استقلالًا: مستحبة كذلك؛ لأن مآلها للشرف النبوي؛ فالإفراد فيها لفظي لا معنوي؛ إذ الصلاةُ عليهما إشادةٌ باصطفاءِ أصولِه وطهارةِ منبتِه؛ لأن شرفَهما شرفٌ نبوي.
والسلام عليهما جائز كذلك؛ تبعًا واستقلالًا؛ لهذا المعنى، ولأن الله سلَّم في كتابه على عباده الذين اصطفاهم، وهما مِن المصطفَيْنَ الأخيار، وسلَّم على آل ياسين، وهم آل البيت.
ويتأكد القول باستحباب الصلاة والسلام عليهما: في موطن إثبات إيمانهما والرد على منتقصهما؛ إظهارًا لشرف الأصل النبوي وحذرًا من السقوط في مهلكة ابتذاله، وتقريرًا لاصطفاء آباء المصطفى وأنهم من آله، وإقرارًا لعينه صلى الله عليه وآله وسلم، ويستوي ذكرُهما بالاسم أو بالوصف، وإن كان الوصف مقدَّمًا؛ تشرفًا بذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وحق والدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم على كل مؤمن أعظم من حق والديه عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أولى بكل مؤمن من نفسه، فوالداه كذلك، والسيدة آمنة عليها السلام أعظم النساء تحققًا بأمومة المؤمنين وزيادة؛ لاختصاصها بأمومة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويجب على كل مكلف الذبُّ عن جنابهما، والردُّ على الطاعنين في إيمانهما، المستهينين بأصْلَيْه الشريفين عليهما السلام.
- عناية الشرع بإظهار شرف ومكانة النبي عليه السلام
- معنى إحسان الصلاة على النبي عليه السلام
- نجاة أبوي النبي صلى الله عليه وآله وسلم
- الكتب التي صنفت في نجاة أبوي النبي عليه السلام
- الصلاة على والدي النبي الكريمين تبعا للصلاة على النبي
- حكم الصلاة والسلام على والدي النبي الكريمين استقلالا
- بيان أن الصلاة على أبوي النبي من إحسان الصلاة عليه
- واجب المسلم تجاه والدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم
- الخلاصة
عناية الشرع بإظهار شرف ومكانة النبي عليه السلام
أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالاعتناء بإظهار شرف نبيه المبين، وتعظيم شأن سيد المرسلين، صلى الله عليه وآله وسلم وعليهم أجمعين، والإشادة بكرم أصله الشريف وطهارة فرعه المنيف، واستغراق الوسع في ذلك بالمدح وكثرة الثناء، وتمام المتابعة والاقتداء، وذلك كلُّه مضمَّن في الأمر الإلهي، بالصلاة والسلام على الجناب النبوي صلى الله عليه وآله وسلم.
فالله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]، والصَّلاةُ: هي التعظيم؛ كما قال الإمام الحليمي (ت403هـ) في "شعب الإيمان" (2/ 133، ط. دار الفكر)، وهي: الدّعاء، والتّبريك، والتّمجيد، كما نقله العلامة الراغب (ت502هـ) في "المفردات" (ص: 490، ط. دار القلم) عن كثير من أهل اللغة.
قال الإمام البيضاوي (ت685هـ) في "تفسيره" بحاشية الشهاب الخفاجي (7/ 184، ط. بولاق 1283هـ): [﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ يعتنون بإظهار شرفه وتعظيم شأنه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ اعتنوا أنتم أيضًا؛ فإنكم أولى بذلك] اهـ.
وقال العلامة الشهاب الخفاجي (ت1079هـ) في حاشيته عليه "عناية القاضي وكفاية الراضي": [الصلاة بمعنى الدعاء تجوز بها عن الاعتناء بصلاح أمره وإظهار شرفه، والسلام: تسليمه صلى الله عليه وآله وسلم عما يؤذيه] اهـ بتصرف.
وقال الشيخ ابن القيم الحنبلي (ت751هـ) في "جلاء الأفهام" (ص: 168، ط. مجمع الفقه): [معنى الصلاة: هو الثناء على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والعناية به، وإظهار شرفه وفضله وحرمته، كما هو المعروف من هذه اللفظة] اهـ.
وقال الإمام البرهان البقاعي (ت885هـ) في "نظم الدرر" (15/ 406-408، ط. دار الكتاب الإسلامي): [﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ بعدم الغفلة عن المبادرة إلى إظهار شرفه في حين من الأحيان؛ تصديقًا لدعواكم؛ ولأن الكبير إذا فعل شيئًا بادر كل محب له معتقد لعظمته إلى فعله ﴿وَسَلِّمُوا﴾ ولما كان المراد بكل من الصلاة والسلام إظهار الشرف، وكان السلام أظهر معنى في ذلك: أكدهما به فقال ﴿تَسْلِيمًا﴾ أي: فأظهروا شرفه بكل ما تصل قدرتكم إليه من حسن متابعته وكثرة الثناء الحسن عليه والانقياد لأمره في كل ما يأمر به.
فقد ظهر أن معنى الكل كما ترى ينظر إلى إظهار الشرف؛ نظر الملزوم إلى اللازم، ولذلك فسر البيضاوي ﴿يُصَلُّونَ﴾ بقوله: يعنتون بإظهار شرفه وتعظيم شأنه] اهـ بتصرف.
وقال الإمام الخطيب الشربيني (ت977هـ) في تفسيره "السراج المنير" (3/ 268، ط. بولاق 1285هـ): [أي: حيوه بتحية الإسلام وأظهروا شرفه بكل ما تصل قدرتُكم إليه؛ من حسن متابعته، وكثرة الثناء الحسن عليه، والانقياد لأمره في كل ما يأمر به] اهـ.
معنى إحسان الصلاة على النبي عليه السلام
جاءت السنة بتأكيد الأمر بالاعتناء بإظهار الشرف النبوي:
فجاء الأمر بإحسان الصلاة على الجناب النبوي، وأن ذلك مطلوب شرعي مرعي:
فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فَأَحْسِنُوا الصَّلَاةَ عَلَيْه؛ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّ ذَلِكَ يُعْرَضُ عَلَيْه، قُولُوا: اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَرَحْمَتَكَ وَبَرَكَاتِكَ عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَإِمَامِ الْمُتَّقِينَ، وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ، عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، إِمَامِ الْخَيْرِ، وَقَائِدِ الْخَيْرِ، وَرَسُولِ الرَّحْمَةِ، اللَّهُمَّ ابْعَثْهُ المقَام المحمود يَغْبِطُهُ بِهِ الأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ" رواه ابن ماجه في "السنن"، وعبد بن حُمَيد، وأبو يعلى، والشاشي في "مسانيدهم"، وغيرهم، وهو أثر صحيح له حكم الرفع؛ لأنه مما لا يقال بالرأي، وحسّنه جماعةٌ من المحدِّثين، وصححه الحافظ مغلطاي في "شرح سنن ابن ماجه"، ورواه الديلمي في "مسند الفردوس" مرفوعًا بلفظ: «إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَيَّ فَأَحْسِنُوا الصَّلَاةَ؛ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّ ذَلِكَ يُعرَضُ عَلَيَّ».
وإحسان الصلاة: البيان فيها والإفصاح عن الشرف النبوي، وفي ذلك إذنٌ باستحداث ما يستطيعه المسلم من الصيغ الفصيحة المعبرة عن ذلك؛ بما يشمل الإشادة بكل ما فيه طهارة أصوله وفروعه صلى الله عليه وآله وسلم، على وسع ما تصل إليه بلاغة المرء في التعبير اللائق عن خير الخلائق صلى الله عليه وآله وسلم من غير تقيد بالوارد؛ كما عليه المحققون سلفًا وخلفًا:
قال الإمام ابن مُسْدِي (ت663هـ): [وذهب جماعة من الصحابة رضي الله عنهم فمن بعدهم: إلى أن هذا الباب لا يوقف فيه مع المنصوص، وأن من رزقه الله بيانًا فأبان عن المعاني، بالألفاظ الفصيحة المباني، الصريحة المعاني، مما يعرب عن كمال شرفه صلى الله عليه وآله وسلم وعظيم حرمته، كان ذلك واسعًا] اهـ من "القول البديع" (ص: 146، ط. الريان).
وجاءت السنة بأكمل مظاهر هذا الإحسان: في مشروعية الجمع في الصلاة بينه وبين آله، وهي كيفية الصلاة عليه التي علَّمها الأمةَ؛ كما في حديث كعب بن عُجْرَةَ رضي الله عنه قال: قلنا: يا رَسُول اللهِ، قد عَلِمْنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: «قُولُوا: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» متفق عليه، وتواتر ذلك في السنة النبوية عن ثلاثةَ عشر صحابيًّا؛ إعلامًا لأمته أنه وآلَه في الصلاة شيءٌ واحد، وورد النهيُ عن ترك الآل، ووُصِفَت بالبتراء؛ أي: ناقصة الكمال؛ ولذلك أوجب جماعةٌ مِن العلماء ذكرَ الآلِ.
وسِرُّ ذلك: أن الصلاة على الآل تدل على كمال الشرف أصلًا ونسلًا؛ فلفظ الآل في اللغة يدل على المآل بدءًا ومنتهًى؛ فيشمل من يؤول إليهم المرءُ ومَن يؤولون إليه، يقول الإمام ابن فارس في "مقاييس اللغة" (1/ 160، ط. دار الفكر): [والهمزة والواو واللام: أصلان: ابتداء الأمر وانتهاؤه، ومن هذا كان آل الرجل هم أهل بيته؛ لأنه إليه مآلهم وإليهم مآله] اهـ، وأحق الناس بوصف آله صلى الله عليه وآله وسلم: مَن آلوا إليه مِن أهل العباء، ومَن آل إليهم من الأمهات والآباء، لينتظم شرف النسب والنسل؛ ولذلك كان بنو هاشم شرعًا مدارَ الآل على اختلاف الأقوال، فهم وحدَهم الآلُ عند أكثر أهل العلم، وجمع الإمام الشافعي إليهم بني المطَّلِب، وقيل: هم بنو عبد مناف، وقيل: بنو قصي، وقيل: بنو كعب، وقيل: بنو غالب، وقيل: بنو فهر وهم قريش؛ كما في "مسائل ابن رشد" (1/ 332، ط. دار الجيل)، فوالدا النبي صلى الله عليه وآله وسلم مِن آله لغةً؛ لأنه يؤول إليهما نسبًا، بل هو بَضْعتُهما أمًّا وأبًا، وشرعًا؛ فهما من بني هاشم، وهو صلى الله عليه وآله وسلم خلاصة شرف أصله، ونَبْعُ شرف نسله، فكان الجمع بينه وبين الآل: هو الأوفى بإظهار شرف جِهَتَي الكمال، على جِهَةِ الكمال.
نجاة أبوي النبي صلى الله عليه وآله وسلم
للشريعة مزيد اعتناء بالإشادة باصطفاء أصول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخيريتهم، وأهليتهم لحمل النور النبوي، بأدلة متواترةٍ يُعلَم منها أن الحق الذي يجب اعتقادُه ولا يجوز غيرُه، وعليه جماهير الأمة خلافًا لمن زلَّ: أن والدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم مؤمنان ناجيان، بل هما خلاصة أهل الإيمان؛ لأنهما لنور النبوة مستودَعان، وقد اختارهما الله لأبوة سيد الأكوان.
فهما من الساجدين الذين قال الله في حقهم: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: 219].
قال الإمام الماوردي في "أعلام النبوة" (ص: 201، ط. دار الهلال): [قال ابن عباس رضي الله عنهما في تأويل قول الله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾: أي: تقلبك من أصلاب طاهرة مِن أبٍ بعدَ أبٍ، إلى أن جعلتُك نبيًّا، وقد كان نورُ النبوة في آبائه ظاهرًا] اهـ.
وهما مِن المصطفَيْنَ الأخيار، الذين افتخَرَ بالانتساب إليهم المختار، صلى الله عليه وآله وسلم:
فأخرج الإمام مسلم في "صحيحه" عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ»، ورواه الخطيبُ في "الموضح"، والدِّمياطيُّ في "معجمه" فقال: «وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي هَاشِمٍ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ».
وأخرج ابن سعد في "طبقاته" عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «خَيْرُ الْعَرَبِ مُضَرُ، وَخَيْرُ مُضَرَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ، وَخَيْرُ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ بَنُو هَاشِمٍ، وَخَيْرُ بَنِي هَاشِمٍ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَاللهِ مَا افْتَرَقَ فِرْقَتَانِ مُنْذُ خَلَقَ اللهُ آدَمَ إِلَّا كُنْتُ فِي خَيْرِهِمَا».
وأخرج الحاكم في "المعرفة" -وعنه البيهقي في "الدلائل"- والسِّلَفيُّ في "الطيوريات" عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: خطب رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارٍ، وَمَا افْتَرَقَ النَّاسُ فِرْقَتَيْنِ إِلَّا جَعَلَنِي اللهُ فِي الْخَيْرِ مِنْهُمَا، حَتَّى خَرَجْتُ مِنْ نِكَاحٍ وَلَمْ أَخْرُجْ مِنْ سِفَاحٍ، مِنْ لَدُنْ آدَمَ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى أَبِي وَأُمِّي، فَأَنَا خَيْرُكُمْ نَسَبًا وَخَيْرُكُمْ أَبًا»، وجزم به الحاكم في "المعرفة" واحتج به.
وروى أبو زرعة الدمشقي، عن عمرو بن قيس السَّكُوني -تابعي جليل؛ أدرك سبعين صحابيًّا- أنه بلغه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «اخْتَارَ اللهُ مِنَ النَّاسِ الْعَرَبَ، وَاخْتَارَ مِنَ الْعَرَبِ كِنَانَةَ، وَاخْتَارَ مِنَ كِنَانَةَ النَّضْرَ، وَاخْتَارَ مِنَ النَّضْرِ عَبْدَ مَنَافٍ، وَاخْتَارَ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ هَاشِمًا، وَاخْتَارَ مِنْ هَاشِمٍ عَبْدَ المُطَّلِبِ، وَاخْتَارَ مِنْ عَبْدِ المُطَّلِبِ عَبْدَ اللهِ، وَاخْتَارَ مِنْ عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدًا». وذكره الواقدي في "فتوح الشام" من قول خالد بن الوليد رضي الله عنه.
وأخرج الإمام البزار في "مسنده"، وابنُ شاذان -كما في "ذخائر العقبى" للمحب الطبري- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دخل ناس من قريش على صفيةَ بنتِ عبد المطلب رضي الله عنها، فجعلوا يتفاخرون ويذكرون الجاهلية، فقالت صفيةُ رضي الله عنها: مِنّا رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالوا: تنبت النخلة -أو الشجرة- في الأرض الكِبَا، فقالت: وما الكِبَا؟ قالوا: الأرض التي ليست بطيبة، فذكرَتْ ذلك صفيةُ رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فغضب وقال: «يَا بِلالُ! هَجِّرْ بِالصَّلاةِ»، فهجَّر، فقام صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر، فنادى بصوت فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ! مَنْ أَنَا؟» قالوا: أنتَ رسولُ اللهِ، قال: «اُنْسُبُونِي»، قالوا: محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ المطلب، قال: «أَجَلْ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَأَنَا رَسُولُ اللهِ، فَمَا بَالُ أَقْوَامٍ يَبْتَذِلُونَ أَصْلِي! فَوَاللهِ إِنِّي لَأَفْضَلُهُمْ أَصْلًا، وَخَيْرُهُمْ مَوْضِعًا»، فلما سمعت الأنصارُ بذلك قالت: قوموا فخذوا السلاح؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أُغضِبَ، فأخذوا السلاح ثم أتوا النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم لا يُرَى منهم إلا الحَدَقُ، حتى أحاطوا بالناس، فجعلوهم في مثل الحَرّة، حتى تضايقت بهم أبوابُ المسجد والسكك، ثم قاموا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا رسول الله! لا تأمرُنا بأحدٍ إلّا أبَرْنا عترته، فلما رأى النفرُ من قريش ذلك قاموا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاعتذروا وتنصلوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «النَّاسُ دِثَارٌ، وَالأَنْصَارُ شِعَارٌ» فأثنى عليهم وقال خيرًا. وقد استشهد بهذا الحديث جماعة من الحفاظ؛ كالسخاوي في "ارتقاء الغرف"، والسيوطي في "مسالك الحنفا".
وأخرج الحاكم في "المستدرك" عن ربيعة بن الحارث رضي الله عنه قال: "بلغ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّ قومًا نالوا منه؛ فقالوا: إنما مثلُ محمد كمثل نخلة نبتت في كُنَاس! فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فَجَعَلَهُمْ فِرْقَتَيْنِ، فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِ الْفِرْقَتَيْنِ، ثُمَّ جَعَلَهُمْ قَبَائِلَ، فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ قَبِيلًا، ثُمَّ جَعَلَهُمْ بُيُوتًا، فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ بَيْتًا»، ثم قال: «أَنَا خَيْرُكُمْ قَبِيلًا وَخَيْرُكُمْ بَيْتًا» ورواه الإمام أحمد وغيره عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث رضي الله عنه.
وأخرج ابن أبي عاصم في "السنة" والطبراني في "الأوسط" والبيهقي في "الدلائل" عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «قَالَ لِي جِبْرِيلُ عليه السلام: قَلَّبْتُ الْأَرْضَ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، فَلَمْ أَجِدْ رَجُلًا أَفْضَلَ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَلَمْ أَجِدْ بَنِي أَبٍ أَفْضَلَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ». قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "أماليه": [لوائح الصحة ظاهرة على صفحات هذا المتن، ومن المعلوم أنّ الخيريةَ والاصطفاءَ والاختيارَ من الله والأفضليةَ عنده: لا تكون مع الشرك] اهـ من "مسالك الحنفا" للسيوطي -في "الحاوي للفتاوي" (2/ 256، ط. دار الفكر)-.
وقال شيخ الإسلام البيجوري (ت1276هـ) في "تحفة المريد" (ص: 68، ط. دار السلام): [جميع آبائه وأمهاته صلى الله عليه وآله وسلم ناجون، ومحكوم بإيمانهم، لم يدخلهم كفر ولا رجس ولا عيب ولا شيء مما كان عليه الجاهلية؛ بأدلة نقلية؛ كقوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَمْ أَزَلْ أَنْتَقِلُ مِن الْأَصْلَابِ الطَّاهِرَاتِ إِلَى الْأَرْحَامِ الزَّاكِيَاتِ»، وغير ذلك من الأحاديث البالغة مبلغ التواتر] اهـ.
فآباؤه وأمهاته صلى الله عليه وآله وسلم موصوفون بالسجود والاصطفاء والخيرية، وأحد هذه الأوصاف كافٍ في الدلالة على الإيمان ونفي خلافه، فكيف باجتماعها! وقد سلَّم الله على المصطفَيْنَ فقال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: 59].
والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قد نهى عن الافتخار بالآباء غير المؤمنين؛ فقال: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمُ الَّذِينَ مَاتُوا إِنَّمَا هُمْ فَحْمُ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللهِ مِنَ الجُعَلِ الَّذِي يُدَهْدِهُ الخِرَاءَ بِأَنْفِهِ، إِنَّ اللهَ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ -أي: تكبُّرَها وتجبُّرَها- وَفَخْرَهَا بِالآبَاءِ، إِنَّمَا هُوَ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، النَّاسُ كُلُّهُمْ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ» رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم، وافتخاره صلى الله عليه وآله وسلم بشرف أصوله، وخيرية آبائه، يستلزم إيمانهم؛ إذ حاشاه صلى الله عليه وآله وسلم أن يفتخر بما نهى عنه.
قال الإمام ابن حجر الهيتمي في "الفتاوى": [إن العارف المحقق سيدي محيي الدين بن العربي (ت632هـ) قال: إن أبوي النبي صلى الله عليه وآله وسلم مِن المصطَفَيْنَ الأخيار، ومن الأكابر الأبرار، وسندُه: ما ذكره مسلمٌ مِن حديث الاصطفاء، وما ذكره البخاري مِن حديث كونه صلى الله عليه وآله وسلم مبعوثًا في خير القرون، والأحاديث الواردة في الاصطفاء والخيرية؛ فإنهما يستلزمان الإسلام، بل يدلان على عدم صدور الذنب] اهـ نقلًا عن العلامة البرزنجي في كتاب "سداد الدين" (ص: 92، ط. دار الكتب العلمية).
وسئل القاضي أبو بكر بن العربي (ت543هـ) عن رجل قال: إن أبا النبي في النار! فأجاب: بأنّ مَن قال ذلك فهو ملعون؛ لقوله تعالى: ﴿إنّ الذين يُؤذُونَ اللهَ ورَسُولَه لَعَنَهم اللهُ في الدنيا والآَخِرةِ وأَعَدَّ لَهم عَذابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: 57]، قال: [ولا أذًى أعظم من أن يقال عن أبيه صلى الله عليه وآله وسلم إنه في النار] اهـ من "مسالك الحنفا" في "الحاوي للفتاوي" (2/ 279).
وقال الإمام الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي (ت842هـ):
تنقَّل أحمـدٌ نورًا عظيمًـــا ... تلألأ في جبـاه الساجدينا
تقلَّب فيهـمُ قرنًـــا فقرنًـــا ... إلى أن جاء خيرَ المرسلينا
وسُئِل شيخُ الإسلام قاضي قضاة الديار المصرية شيخُ الشافعية شرفُ الدين يحيى بنُ محمد المناوي (ت871هـ) عن والد النبي صلى الله عليه وسلم: هل هو في النار؟ فزأر في السائل زأرةً شديدة، فقال له السائل: هل ثبت إسلامه؟ فقال: [إنه مات في الفترة؛ ولا تعذيب قبل البعثة] اهـ، نقله عنه الإمام السيوطي في "مسالك الحنفا" ضمن "الحاوي للفتاوي" (2/ 245).
وقال الإمام القسطلاني الشافعي (ت923هـ) في "المواهب اللدنية" (1/ 111، ط. المكتبة التوفيقية): [والحذرَ الحذرَ مِن ذكرهما بما فيه نقصٌ، فإن ذلك قد يؤذي النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فإن العرف جارٍ بأنه إذا ذُكِرَ أبو الشخص بما يُنقِصُه، أو وُصِفَ بوصفٍ به وذلك الوصفُ فيه نقصٌ: تأذَّى ولدُه بذكر ذلك له عند المخاطبة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «لَا تُؤْذُوا الْأَحْيَاءَ بِسَبِّ الْأَمْوَاتِ» رواه الطبراني في "الصغير"، ولا ريب أن أذاه صلى الله عليه وآله وسلم كفرٌ] اهـ.
وقال إمام الشافعية في زمنه العلامةُ ابنُ حجرٍ الهيتميُّ (ت973هـ) في "الفتاوى": [إياك أن يسبق لسانُك إلى غير ما قلنا -يعني: من النجاة- فتكون ممن آذى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فتستحق اللعنة بنص القرآن؛ كما قدّمنا عن ابن العربي، وإذا كان رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لمّا شكا إليه عكرمةُ بن أبي جهل رضي الله عنه قولَ الناس "هذا ابنُ أبي جهل": «لَا تُؤْذُوا الْأَحْيَاءَ بِسَبِّ الْأَمْوَاتِ»، هذا مع كونه أبا جهل، فما ظنك بمن يتكلم في آبائه صلى الله عليه وآله وسلم بما يحطهم عن غاية الشرف والرفعة! نعوذ بالله من ذلك، ونسأله السلامة عن الخوض في مثل هذه المهالك] اهـ نقلًا عن "سداد الدين" (ص: 87) للبرزنجي.
وصَدَرَت بذلك فتوى مفتي الديار المصرية العلامة محمد بخيت المطيعي (ت1354هـ)، والتي قال فيها ردًّا على مَن زَعَم أن أبَوَي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم لَيْسَا مؤمنَيْنِ: [قد أخطأ خَطَأً بَيِّنًا؛ يَأثَمُ ويَدخُلُ به فِيمَن آذى رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم] اهـ.
الكتب التي صنفت في نجاة أبوي النبي عليه السلام
صنف العلماء عبر القرون في بيان ذلك عشراتِ المصنفاتِ، حتى صنف الإمام الحافظ السيوطي وحدَه رضي الله عنه في ذلك ستَّ رسائل؛ هي:
1. "مسالك الحنفا في والدي المصطفى".
2. "الدرج المنيفة في الآباء الشريفة".
3. "المقامة السندسية في النسبة المصطفوية".
4. "التعظيم والمنة في أن أبوي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الجنة".
5. "نشر العلمين المنيفين في إحياء الأبوين الشريفين".
6. "السبل الجلية في الآباء العلية".
وصنف كبار علماء الأمة ومفتوها من مختلف المذاهب المتبوعة في نصرة ذلك وتحقيقه:
فصنف شيخ الإسلام في الدولة العثمانية ابنُ كمال باشا الحنفي (ت940هـ) في نجاة أبوي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتحريم اعتقاد خلاف ذلك، وصنف شيخُ الحنفية في دمشق ابنُ طولون الدمشقي (ت953هـ) "مناهج السُّنّة في كون أبوي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الجنة"؛ كما في كتابه "الفُلْك المشحون" (ص: 46، ط. القدسي)، وصنف مفتي الحرم عبدُ القادر الطبري الحسيني الشافعي (ت1033هـ) في إيمان الوالدين الشريفين والرد على من ادَّعَى خلافه، وصنف مفتي الشافعية بالمدينة المنورة السيدُ البرزنجيُّ الحسيني "سَداد الدِّين وسِدَاد الدَّيْن، في إثبات النجاة والدرجات للوالدَيْن"، وصنف مفتي الحنفية بها العلامةُ محمد أمين بن عمر زاده البالي (ت1304هـ) "سبل السلام في حكم آباء سيد الأنام"، وصنف مفتي المالكية في الحجاز السيدُ محمد علي بن حسين المالكي (ت1368هـ) "سعادة الدارين بنجاة الوالدين"، وغيرهم كثير.
ومن لطيف الإشارات في هذا المقام: أن الله تعالى سمَّى أمَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الأزل "آمنة"؛ لتكون في الدارين آمنةً، فكأنه قيل: ومَن يأمَنُ إن لم تأمَن الآمنة! وسمَّى أباه في الأزل "عبد الله": ليتحقق فيه وصفُ العبودية لله، فكأنه قيل: ومن العابدُ لمولاه، إن لم يَكُنْه "عبدُ الله"، أقربُ الساجدين سببًا ونسبًا بسيدنا رسول الله! صلى الله عليه وآله وسلم، فهو الأب الماجد، والعبد الساجد «وَأَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ»، وهو العبد المصطفى ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾؛ فتطابق الاسم والمسمى، وتوافق المعنى والمبنى.
فالوالدان الشريفان من آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لغة وشرعًا، فتشملهما الصلاة عليه، بل كونُهما أقربَ أصوله إليه يقتضي أنهما الأَوْلى شمولًا والآكدُ دخولًا، فهما أصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم والآل، ونبع النور ومستودَع الكمال؛ فأمه سيدة النساء وأبوه سيد الرجال.
الصلاة على والدي النبي الكريمين تبعا للصلاة على النبي
الصلاة على والدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تخلو: إما أن تأتي تبعًا للصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو استقلالًا:
فأما الصلاة عليهما رضي الله عنهما تبعًا -كالصيغة الواردة في السؤال- فهي مشروعة مستحبة، ولا ينبغي أن يُنازَع في استحبابها؛ لخمسة أوجه:
الأول: أن في الصلاة على والدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحقيقًا لمقصود الصلاة عليه؛ بالاعتناء بإظهار شرفه، وامتثالًا للأمر بإحسانها؛ بالتمدحِ بطهارة أصله وكريم عنصره وشرف منبته، والإشادة بعظمة الاختيار الإلهي لآبائه وأمهاته، وأهليتهم لحمل النور النبوي عبر القرون؛ ومآل ذلك راجع لشرف المصطفى، وأنه خلاصة أهل الاصطِفَا.
الثاني: أن الوالدين الشريفين من الآل لغةً وشرعًا، وهما أَوْلَى الأصول الشريفة بالدخول في الآل؛ ففي التصريح بهما تفصيل بعد إجمال، وتعديد لجهات الشرف وتأكيد لمظاهر الكمال.
الثالث: أن العلماء متفقون على جواز الصلاة على غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المؤمنين تبعًا، وأبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المؤمنين المصطفين الأخيار، والساجدين الذين تقلب فيهم نور سيد المرسلين؛ فهما أولى المؤمنين بمشروعية الصلاة عليهما تبعًا.
قال الإمام النووي في "الأذكار" (ص: 210، ط. دار ابن كثير): [واتفقوا على جواز جعل غير الأنبياء تبعًا لهم في الصلاة، فيقال: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، وأصحابه، وأزواجه وذريته، وأتباعه؛ للأحاديث الصحيحة في ذلك، وقد أمرنا به في التشهد، ولم يزل السلفُ عليه خارجَ الصلاة أيضًا] اهـ.
ونقل الإجماعَ على ذلك الحافظُ ابن كثير في "تفسيره" (6/ 422، ط. دار طيبة).
الرابع: أن في التصريح بالصلاة والسلام عليهما ردًّا على طعن نابتة السوء فيهما، وإثباتًا لنجاتهما وإيمانهما، فهو وإن لم يصرَّحْ به في صيغ الصلاة الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا أنه لمناسبته لمقتضى الحال، ومنعه للقيل والقال: يتوجه القول باستحبابه في هذه الأزمنة؛ قطعًا لقالة الضلالة عن مقامهما المنيف، ودرءًا لألسنة السوء في جنابهما الشريف.
وقريب من ذلك: ما فعله أهل السُّنة مِن إضافة الصلاة على الصحابة رضي الله عنهم في الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مع عدم ورودها في شيء من الأحاديث النبوية الواردة بصيغ الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ وذلك بالقياس على الآل، وإنما فعلوا ذلك قطعًا لطعن أهل الضلال، وردًّا على من تكلم في الصحابة رضي الله عنهم.
قال العلامة سليمان الجمل الشافعي (ت1204هـ) في حاشيته "فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب" (1/ 6، ط. دار الفكر): [الصلاة على الآل ثبتَتْ بخبر «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ» إلخ، والصلاة على الصحب: إنما هي بالقياس عليهم] اهـ.
وقال العلامة النبهاني (ت1350هـ) في "سعادة الدارين" (ص: 30، ط. دار الفكر): [وأمّا الصلاة على أصحابه صلى الله عليه وآله وسلّم: فإنّها لم ترد في الأحاديث، وقد وقع الاتفاق على استحسانها؛ بالقياس على الآل، كما ذكره شرّاح "الدلائل" وغيرُهم] اهـ.
والوالدان أولى لثلاث علل؛ فإن التصريح بهما أدل على شرف المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم فشرفُهما شرفُه؛ فهو أبلغ إلى مقصود الصلاة عليه، ولأنهما من الآل حقيقةً، فدخولُهما بالاشتمال لا بالقياس، ولأن الذبَّ عنهما مقدَّم على غيرهما؛ لعظيم مكانهما من المصطفى.
الخامس: أن هذه الصيغة بعينها (اللهم صل على سيدنا محمد وعلى والديه وعلى آله وصحبه وسلم) قد اعتمدها علماءُ أهل المدينة المنورة وأولياؤها وعارفوها في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين، ونقلوها كابرًا عن كابر، محدِّثين بها، ومستحبين لها، وذاكرين بركاتِها، وآمرين أتباعهم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بها، وموصين بتكرارها، ولم يُنقَلْ عن أحد من علماء الأمة إلى يوم الناس هذا إنكارُها، أو الطعنُ فيها، حتى ظهرت نابتةُ الطعن في جنابهما الشريف مِن غير حلم ولا علم!
قال العلامة محمد بن عمر بالي الحنفي المدني في كتابه "سبل السلام في حكم آباء سيد الأنام" صلى الله عليه وآله وسلم (ص: 113، ط. المطبعة السلطانية): [فائدة شريفة: حدثني شيخ الصوفية العارفُ بالله تعالى وإليه داعي، أستاذُنا وبركتُنا المدني سيدي السيدُ أحمدُ الرفاعي، قال: حدثني الوليُّ العارفُ الشيخُ منصورٌ البديري المدني، عن شيخِه الوليِّ العارفِ السيدِ محسن مقيبل المدني، أن شيخَه الوليَّ الكبيرَ السيدَ مُشَيَّخ باعُبُود المدني الشهير: كان يأمره إذا وقف تجاه القبر الشريف لزيارة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم أن يصلي عليه مائة مرة بصيغة مخصوصة وهي: "اللهم صل على سيدنا محمد وعلى والديه وعلى آله وصحبه وسلم"، قال: قال الشيخ منصور: وكان قد أمرني شيخي السيد محسن بذلك، فكنت كلما وقفت في ذلك المقام الرفيع لزيارة السيد الشفيع، أصلي علي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الصيغة العددَ المذكور، فبينا أنا ذات يوم أتلوها في ذلك المقام العالي، إذا قائلٌ من الحجرة الشريفة يقول: ارفعوا منصور] اهـ.
ومُؤلفُ الكتابِ الناقلُ لهذه الصيغة المباركة: هو مفتي السادة الحنفية بالمدينة المنورة العلامة المعمَّر السيد محمد أمين بن عمر البالي زاده المدني الحنفي (ت1304هـ)، أخذ عن إمامِ الفقهاء المحققين وعمدة الحُفّاظ والمحدِّثين العلامة محمد عابد السندي (ت1257هـ)، وأخذ عنه كبارُ العلماء المفتين؛ مثل مفتي المالكية بالمدينة السيد أحمد بن أحمد بن عبد القادر الجزائري (ت1336هـ)، وكان العلامة محمد بن عمر البالي شيخَ علماءِ الحرم النبوي الشريف، ومرجعَ الفتوى بالمدينة المنورة، والقائمَ بأمر الدروس بالمسجد النبوي الشريف؛ بحيث لم يكن لأحدٍ أن يُلقِيَ درسًا فيه إلا بإذنه وإجازته؛ كما في "فهرس الفهارس" (1/ 369، ط. دار الغرب) للعلامة الكتاني (ت1382هـ)، و"تاريخ معالم المدينة المنورة" (ص: 268، ط. نادي المدينة) للسيد الخيّاري (ت1380هـ)، و"أعلام من أرض النبوة" (ص: 206، ط. الخزانة الكتبية الحسنية) لأنس الكتبي.
وحدَّثه بهذه الصيغة المباركة: شيخُ الصوفية بالمدينة المنورة، الوليُّ العارفُ القطبُ السيدُ أحمدُ بنُ منصورِ بنِ إبراهيمَ بنِ قاسمٍ الرفاعي، من أهل القرن الثالث عشر الهجري، من نسل السيدِ أحمدَ الرفاعي رضي الله عنه، وكان صاحبَ مسلكٍ ومشربٍ شاذليًّا درقاويًّا؛ كما في "مختصر تحفة المحبين والأصحاب في معرفة ما للمدنيين من الأنساب" (ص: 46، ط. دار الفتح) للعلامة الحجّار (ت1292هـ)، و"أعلام من أرض النبوة" (ص: 203)، وكان حيًّا عام 1294هـ؛ فقد حج في هذا العام الإمامُ الخطيبُ أبو جيدة بن عبد الكريم الفاسي وروى عنه؛ كما في "معجم الشيوخ" للسيد عبد الحفيظ الفاسي (ص: 143-144، ط. العلمية).
المصدر: موقع دار الإفتاء المصرية





التعليقات 0
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يشارك رأيه.
سجّل الدخول لإضافة تعليق