رقم المصدر: 16561

صفة التسوية المطلوبة عند العطاء والهبة للأولاد

كيف تكون التسويةُ بين الأولادِ عند الهبة لهم في العطايا؟ وهل تكون على قواعدِ الميراث أو لا؟

التسوية بين الأولاد في العطية مستحبةٌ وليست واجبةً، والمختار للفتوى أن صفة التسوية لا تكون على قواعد الميراث، وإنما تكون بإعطاء كل واحد من الأولاد مثل ما أُعطي الآخر، لا فَرق في هذا بين ذكر وأنثى.

صفة التسوية المطلوبة عند العطاء والهبة للأولاد

الأصلُ المقرر شرعًا أن الإنسان حرُّ التصرف فيما يدخل تحت ملكه؛ ببيعه أو هبته أو وقفه أو إجارته أو غير ذلك من التصرفات الشرعية التي هي فرع عن الملك؛ وقد روى الدارقطني والبيهقي عن حِبَّان بن أبي جَبَلَة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «كُلُّ أَحَدٍ أَحَقُّ بِمَالِهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»، فهذا الحديث يقرِّر أصل إطلاق تصرف الإنسان في ماله.

ومع ذلك فقد طلب الشرع الشريف من المُكلَّف أن يُسَوِّي في خصوص هبته لأولاده فيما بينهم؛ فروى سعيد بن منصور في "سننه" عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «سَاوُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ، وَلَوْ كُنْتُ مُؤْثِرًا أَحَدًا لَآثَرْتُ النِّسَاءَ عَلَى الرِّجَالِ»، ولكن المختار أن هذا الطلب من الشرع محمول على الندب والاستحباب لا على الحتم والإيجاب؛ فإذا وهب الوالد أحد أولاده هبة وخصَّه بها دون باقي إخوته، كان هذا الوالد حينئذٍ تاركًا للمستحب وليس تاركًا للواجب، وترك المستحب لا يترتب عليه إثم.

آراء المذاهب الفقهية في حكم التسوية بين الأولاد في العطية

اختلف العلماء في التسوية المطلوبة بين الأولاد في الهبات والعطايا؛ فذهب الحنفية والشافعية وغيرهم إلى أن التسوية المطلوبة بين الأولاد تكون بإعطاء كل واحد من الأولاد مثل ما أُعطي الآخر، لا فَرق في هذا بين ذكر وأنثى، فتُعطَى الأنثى مثل ما يُعطَى الذَّكَر. انظر: "بدائع الصنائع" (6/ 127، ط. دار الكتاب الإسلامي)، و"روضة الطالبين" (5/ 379، ط. المكتب الإسلامي)، و"الإنصاف" (7/ 136).

وذهب المالكية والحنابلة إلى أن التسوية المطلوبة تكون بقسمة الهبة بين الأولاد على حسب القسمة الشرعية للميراث، فيُجعل للذَّكَر مثل حظ الأنثيين. انظر: "شرح العلامة الخرشي على خليل" (7/ 82)، و"كشاف القناع" (4/ 310، ط. دار الكتب العلمية).

المختار للفتوى في هذه المسألة ودليل ذلك

المختار عندنا هو الأول؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم طلب من بَشِير رضي الله عنه أن يهب كلَّ أولاده مثل ما وهب النُّعمان رضي الله عنه؛ وقال له: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَ مَا نَحَلْتَهُ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَلَا أَشْهَدُ عَلَى شَيْءٍ، أَلَيْسَ يَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟» قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَلَا إِذنْ» رواه النسائي، ولم يَستَفصِل منه عن بقية أولاده، أذكور هم أم إناث؟ فدلَّ هذا على أنه لا فَرق بين الذكور والإناث في التسوية المطلوبة بين الأولاد في العطية.

والقاعدة الأصولية أن: "ترك الاستفصال في وقائع الأحوال مع قيام الاحتمال يُنَزَّل مَنزِلة العموم في المقال". انظر: "حاشية العطار على شرح جمع الجوامع" (2/ 24-25، ط. دار الكتب العلمية).
ومعنى القاعدة: أن قضايا الأعيان إذا عُرِضَت على الشارع وهي مُحتَمَلة الوقوع على أحد وجهين أو وجوه، وتَرَك الشارع الاستفصال فيها، فتركُه الاستفصال فيها دليلٌ أن الحُكم فيها مُتَّحِدٌ في الوجهين أو الوجوه. انظر: "حاشية ابن الشاط على الفروق" للإمام القرافي (2/ 88، ط. عالم الكتب).
وقد استدل أصحاب المذهب الثاني بأن أَولَى ما اقتُدِيَ به قِسمةُ الله، والله تعالى قد قَسَم بينهم؛ فجعل للذَّكَر مثل حظ الأنثيين. انظر: "الاستذكار" (7/ 228، ط. دار الكتب العلمية)، و"المغني" (5/ 388، ط. دار إحياء التراث العربي).
ولكن يجاب عنه بقيام الفارق بين الميراث من جهة وبين الهبة حال الحياة من جهة أخرى؛ من حيث إن الميراث مختص بما بعد الموت، ولكل حالٍ أحكام، ومن حيث إن الهبة تطوعٌ وليست فرضًا كالميراث، كما أن الذَّكَر والأنثى إنما يختلفان في الميراث بالعُصوبة، أما بالرحم المجردة فهما فيه سواء؛ كالإخوة والأخوات من الأم.

الخلاصة

عليه: فالمختار للفتوى أن التسوية بين الأولاد في العطية مستحبةٌ، وليست واجبةً، وتكون بإعطاء كل واحد من الأولاد مثل ما أُعطي الآخر، لا فَرق في هذا بين ذكر وأنثى.

ما حكم التصرف في المال حال الحياة بإعطائه بعض الورثة؟ فهناك رجل له خمس بنات صغيرات، وله أخت ظروفها المادية مستقرة، ويريد أن يكتب كلَّ مالَهُ لبناته الخمس، وحرمان أخته من الميراث بعد وفاته؛ لوجود مشكلات بينهما. فما الحكم؟

بماذا يفيد ترك النبي الشهادة على عطاء الصحابي بشير لولده النعمان؟ وهل هذا الترْكُ من النبي الكريم عليه الصلاة والسلام يفيد وجوب التسوية بين الأولاد في الهبة حال الحياة؟

ما حكم هبة السفيه؟ فقد سأل رجل من درنة ببلاد طرابلس الغرب في رجل سفيه معتوه لا يحسن التصرف، فأقام القاضي لتلك البلدة عليه عَمَّ ذلك السفيه المعتوه قيّمًا لينظر في مصالحه، ثم حصل من ذلك القيم المذكور ترغيب ذلك السفيه المذكور في أن ذلك السفيه المذكور يهب ثلث ما يملكه من العقارات لابن ذلك القيم المذكور، وبعد موت ذلك السفيه المذكور أبرز الموهوب له حجته، فهل تصح تلك الهبة أو لا تصح؟ أفيدوا الجواب، ولكم الثواب.

ما حكم المطالبة بخصم الهبة من الميراث؛ فقد وهب لي والدي قيراطًا ونصف القيراط من الأرض؛ وذلك من أجل تجهيزي للزواج، فهل من حقِّ أخي بعد وفاة والدي أن يأخذ مثل ما وهب لي أبي؟ علمًا بأن أخي قاصر ولم يتزوج بعد؟

ما قولكم دام فضلكم فيما يلي: أولًا: القاعدة الشرعية هي أن هبة المال المنقول لا تتم إلا بالقبض، فهل يشترط لذلك قبض المبلغ الموهوب كله أم يكفي قبض جزء منه فقط حتى تصبح الهبة صحيحة ونافذة المفعول فيما لم يُقبَضْ؟ ثانيًا: إذا تعهَّد شقيقٌ بأن يتبرع لشقيقته بمبلغ معين من المال عند زواجها، وَدَفَع لخطيبها جزءًا منه، ثم لم يتم الزواج، بل فسخت الخطبة، وتوفي الشقيق الواهب بعد ذلك، فهل تكون هناك هبة شرعًا فيما لم يتم قبضه؟

هل يجوز الرجوع في الهبة بعد وفاة الواهب؟ فإنّ امرأة كانت تمتلك مقدارًا من الذهب، وقامت حال حياتها وصحتها بتقسيم هذا الذهب وتوزيعه بالكامل على أولادها، وقد تسلَّم كل ولد نصيبه منها في حياتها (تم القبض)، وبعد وفاة الأم ظهر من يطالب بجمع هذا الذهب الذي تم توزيعه مرة أخرى بغرض ضمِّه للتركة وإعادة تقسيمه كميراث، فهل يعتبر هذا الذهب هبة ماضية ونافذة لا يجوز الرجوع فيها، أم يُعد من جملة التركة؟ وهل يجوز شرعًا لأي شخص المطالبة باسترداد هذا الذهب بعد وفاة الأم لإعادة توزيعه، أم أنَّ ذلك غير جائز؟

مَواقِيتُ الصَّـــلاة

المصدر: موقع دار الإفتاء المصرية